الطبراني

353

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وكانوا على ذلك حتّى قدم صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة فأخبر بأمرهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ وأنا لا أحلّهم حتّى أؤمر بهم ] فنزلت هذه الآية فعرف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ ( عسى ) من اللّه واجبة ، وأمر بحلّهم وانطلقوا إليه ، وقالوا : هذه أموالنا الّتي خلّفتنا عنك ، فخذها فتصدّق بها عنّا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ ما أمرت فيها بشيء ] « 1 » فأنزل اللّه تعالى : قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ؛ ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله : ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ) أي المذكورين ، وقيل : وهم الذين اعترفوا بذنوبهم ، إلّا أنّ كلّ حكم حكم اللّه ورسوله في شخص من عباده ، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص ، إلّا ما قام دليل التخصيص به . وقيل : قوله تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدّم ذكر المسلمين كقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 2 » يعني القرآن . ومعنى الآية : تطهّرهم عن الذنوب وتزكّيهم بها ؛ أي تصلح أعمالهم . وقيل : معناه : تطهّرهم أنت بها من دنس الذّنوب . قوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ؛ أي استغفر لهم وادع لهم ، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ ؛ أي إنّ دعاءك واستغفارك طمأنينة ، لَهُمْ ؛ في أنّ اللّه يقبّل توبتهم ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ ؛ بمقالتهم ، عَلِيمٌ ( 103 ) ؛ بنيّاتهم وثوابهم . قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ؛ استفهام بمعنى التّنبيه ، وقبول التوبة إيجاب الثواب عليها ، وقوله تعالى ( وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) أراد به أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والأئمّة بعده ؛ لأن أخذهم لا يكون إلّا بأمر اللّه ، وكأنّ اللّه هو الآخذ ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ ؛ أي المتجاوز عن من تاب ، الرَّحِيمُ ( 104 ) ؛ عن من مات على التوبة . قوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ؛ أي اعملوا عمل من يعلم أنّ اللّه يرى عمله ويتجاوز به ، ظاهر المعنى . قوله تعالى :

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 13321 ) . ( 2 ) القدر / 1 .